الثعلبي
219
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
كيسان ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ من الإقرار حتى نفرض عليهم الجهاد والفرائض التي فيها تخليصهم ، ليميّز بها بين من يثبت على إيمانه مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ . الضحاك : ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ في أصلاب الرجال وأرحام النساء ، يا معشر المنافقين والمشركين حتى يفرّق بينكم وبين من في أصلابكم وأرحام نسائكم من المؤمنين . وقال بعضهم : حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ وهو المذنب ، مِنَ الطَّيِّبِ وهو المؤمن ، يعني حتى يحط الأوزار من المؤمن ما يصيبه من نكبة ومحنة ومصيبة . وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ لأنه لا يعلم الغيب أحد غيره وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي يختار مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ بالغيب فيطلعه على بعض علم الغيب ، نظيره قوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ « 1 » . وقال السدي : وما كان اللّه ليطلع محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم على الغيب ولكن اللّه اجتباه فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ . وروى الفضل بن موسى عن رجل قد سمّاه قال : كان عند الحجاج منجم فأخذ الحجاج حصيات لم يعدّهن وقال للمنجم : كم في يدي ؟ فحسب فأصاب المنجم ، ثم اعتقله الحجاج ، فأخذ حصيات لم يعدّهن فقال للمنجم : كم في يدي ؟ فحسب وحسب ثم أخطأ ثم حسب أيضا فأخطأ ، فقال : أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها في يدك ؟ قال : فما الفرق بينهما ؟ قال : إن ذلك أحصيته فخرج عن حد الغيب فحسبت وأصبت ، وإن هذا لم يعرف عددها فصار غيبا ولا يعلم الغيب إلّا اللّه . وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ . من قرأ بالياء جعل هو [ ابتداء ] وجعل الاسم مضمرا وجعل الخير خيرا بحسبان تقديره : ولا تحسبن الباخلون البخل خيرا لهم ، فاكتفا بذكر ( يَبْخَلُونَ ) من البخل كما تقول في الكلام : قد قدم زيد فسررت به ، وأنت تريد سررت بقدومه . قال الشاعر : إذا نهي السفيه جرى إليه * وخالف والسفيه إلى خلاف « 2 » أي جرى إلى السفه ونظير هذا قوله : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ « 3 » هو
--> ( 1 ) سورة الجن : 26 - 27 . ( 2 ) تفسير القرطبي : 4 / 290 . ( 3 ) سورة الأنفال : 32 .